ابن قيم الجوزية
19
الوابل الصيب من الكلم الطيب
للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه ، فذكر مثل الموحد والمشرك : فالموحد كمن عمل لسيده في داره وأدى لسيده ما استعمله فيه ، والمشرك كمن استعمله سيده في داره فكان يعمل ويؤدي خراجه وعمله إلى غير سيده ، فهكذا المشرك يعمل لغير الله تعالى في دار الله تعالى ويتقرب إلى عدو الله بنعم الله تعالى . ومعلوم أن العبد من بني آدم لو كان مملوكه كذلك لكان أمقت المماليك عنده وكان أشد شيئاً غضباً عليه وطرداً له وإبعاداً ، وهو مخلوق مثله كلاهما في نعمة غيرهما ، فكيف برب العالمين الذي ما بالعبد من نعمة فمنه وحده لا شريك له ، ولا يأتي بالحسنات إلا هو ، ولا يصرف السيئات إلا هو ، وهو وحده المنفرد بخلق عبده ورحمته وتدبيره ورزقه ومعافاته وقضاء حوائجه ، فكيف يليق به مع هذا أن يعدل به غيره في الحب والخوف والرجاء والحلف والنذر والمعاملة ، فيحب غيره كما يحبه أو أكثر ، ويخاف غيره ويرجوه كما يخافه أو أكثر ، وشواهد أحوالهم - بل وأقوالهم وأعمالهم - ناطقة بأنهم يحبون أنداده من الاحياء والأموات ويخافونهم ويرجونهم ويطلبون رضاءهم ويهربون من سخطهم أعظم مما يحبون الله تعالى ويخافون ويرجون ويهربون من سخطه ، وهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله عز وجل ، قال الله سبحانه وتعالى : { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } . والظلم عند الله عز وجل يوم القيامة له دواوين ثلاثة : ديوان لا يغفر الله منه شيئاً ، وهو الشرك به ، فإن الله لا يغفر أن يشرك به . وديوان لا يترك الله تعالى منه شيئاً ، وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً ، فإن الله تعالى يستوفيه كله . وديوان لا يعبأ الله به ، وهو ظلم العبد نفسه بينه وبين ربه عز وجل ، فإن هذا الديوان أخف الدواوين وأسرعها محواً ، فإنه يمحي بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة ونحو ذلك ، بخلاف ديوان الشرك فإنه لا يمحى إلا بالتوحيد ، وديوان المظالم لا يمحى إلا بالخروج منها إلى أربابها واستحلالهم منها . ولما كان الشرك أعظم الدواوين الثلاثة عند الله عز وجل حرم الجنة على أهله ، فلا تدخل الجنة نفس مشركة ، وإنما يدخلها أهل التوحيد فإن التوحيد هو مفتاح بابها ، فمن لم يكن معه مفتاح لم يفتح له بابها ، وكذلك إن أتى بمفتاح لا أسنان له لم يمكن الفتح به . والنهي عن